القرطبي

246

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في إقامة القصاص وغيره من الحدود . وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء ، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح ، على ما يأتي بيانه . فإن قيل : فان قوله تعالى " كتب عليكم " معناه فرض وألزم ، فكيف يكون القصاص غير واجب ؟ قيل له : معناه إذا أردتم ، فأعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح . والقتلى جمع قتيل ، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة ، وهو مما يدخل على الناس كرها ، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى ، وشبههن . الخامسة - قوله تعالى : " الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " الآية . اختلف في تأويلها ، فقالت طائفة : جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه ، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا ، والعبد إذا قتل عبدا ، والأنثى إذا قتلت أنثى ، ولم تتعرض لاحد النوعين إذا قتل الاخر ، فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " [ المائدة : 45 ] ، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة ، قاله مجاهد ، وذكره أبو عبيد عن ابن عباس . وروي عن ابن عباس أيضا أنها منسوخة بآية " المائدة ( 1 ) " وهو قول أهل العراق . السادسة - قال الكوفيون والثوري : يقتل الحر بالعبد ، والمسلم بالذمي ، واحتجوا بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " فعم ، وقوله : " وكتبا عليهم فيها أن النفس بالنفس " [ المائدة : 45 ] ، قالوا : والذمي مع المسلم ( 2 ) متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد ، فإن الذمي محقون الدم على التأبيد ، والمسلم كذلك ، وكلاهما قد صار من أهل دار الاسلام ، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي ، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم ، فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه . واتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به ، وهو قول داود ، وروي ذلك عن علي وابن مسعود

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 191 . ( 2 ) في ب ، ج ، ز : " مع الحر " .